السيد عبد الأعلى السبزواري
156
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
بحث علمي : من صفات اللّه تعالى القائم بالقسط ، وهي عين ذاته المقدّسة التي لا حدّ لجلالها وكمالها ، وأنها تدلّ على كماله تعالى في أفعاله ، وتستلزم كثيرا من الصفات العليا ، كالرأفة والرحمة والعدل . والقسط - كما مر - : هو العدل مع زيادة فيه ، وهي أن القسط يستعمل في موارد العدل الظاهر والحقّ المعروف ، فهو أبلغ من العدل ، كما أن الجور أبلغ في العدوان من الظلم ، فيكون للقسط خصوصية لم تكن في العدل - كما تقدّم - وإن كانا يتقاربان في المعنى ، كما فسّروه به في كثير من الموارد ، ولكن القسط يستعمل في مورد لا يستعمل العدل فيه ، كما أن الأوّل يعدّى ب « إلى » ولا يعدّى العدل به ، قال تعالى : أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ [ سورة الممتحنة ، الآية : 8 ] ، وممّا يدلّ على ما ذكرناه قوله تعالى : فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا [ سورة الحجرات ، الآية : 9 ] ، ولا يصحّ أن يكون أحدهما عين الآخر ، إذ التأسيس خير من التأكيد . وفي حديث المهدي عليه السّلام المروي من الفريقين : « يملأ الأرض قسطا وعدلا ، كما ملئت ظلما وجورا » . فيكون القسط أنسب بالشهادة في المقام من العدل . والقائم بالشيء هو المتصدّر والمراعي له ومحقّقه ومجريه . أي المجري ، وأقومها وأنفعها للنظام التكويني والتشريعي والجزائي ، وبها يتحقّق الترابط بين الربّ وعبيده ، وبين أفراد العباد بعضهم مع بعض ، وبه يقع التآلف ، والتحابب بينهم ، كما أن به يضمن المظلوم حقّه ويجازى الظالم لظلمه ، وبه ينتظم النظام ، ولأجل ذلك كان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يكرّر هذه الآية في أفضل الأوقات وفي أفضل الأماكن ، فقد ورد أن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه وآله كان يردّدها في عشية عرفة كما مرّ .